
تُعد مبادرة “علماء الغد” (JoYS) مشروعًا وطنيًا رائدًا يضع حجر الأساس لمستقبل الأردن العلمي والاقتصادي، من خلال الاستثمار في أغلى ما نملك: عقول شبابنا ومهاراتهم العلمية والتقنية.
إن الجهود الدؤوبة التي يبذلها الفريق المتميز الذي يقف خلف هذه المبادرة هي شهادة على الالتزام الراسخ ببناء جيل من المبتكرين والقادة القادرين على مواجهة تحديات المستقبل.
وقد تجلى نجاح هذه الجهود في التقرير الذي أصدرته المبادرة لعام 2025، والذي أظهر وصول القائمين عليها إلى ما يقارب 400 معلم ومدير في 11 محافظة. إن هذا الانتشار الواسع، من إربد شمالًا إلى معان جنوبًا، ليس مجرد رقم، بل هو تجسيد لفلسفتها في تحقيق العدالة وتكافؤ الفرص، واستهداف المدارس التي واجهت تحديات في الوصول إلى البرنامج. فالابتكار ليس حكرًا على العاصمة، ومهمتها هي اكتشاف هذه المواهب ورعايتها أينما كانت.
على المدى المتوسط، تزود مبادرات مثل “علماء الغد” الشباب بمهارات القرن الحادي والعشرين، من التفكير النقدي وحل المشكلات إلى العمل الجماعي والبحث العلمي. فالأبحاث العالمية تُظهر أن الطلاب المشاركين في برامج مماثلة تزداد لديهم احتمالية متابعة مسارات مهنية في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات (STEM) بنسبة تصل إلى 80% بين طلاب المرحلة الثانوية. كما أن التوجيه والإرشاد الذي يحصل عليه الطلاب من خبراء ومتخصصين يعزز من هويتهم العلمية ويزيد من ثقتهم بقدراتهم على إحداث فرق حقيقي في مجتمعاتهم.
أما على المدى البعيد، فإن الأثر يتجاوز الفرد ليصل إلى الاقتصاد الوطني بأكمله. فالقوى العاملة الماهرة في مجالات العلوم والتكنولوجيا هي المحرك الرئيسي للابتكار والقدرة التنافسية. وتشير الدراسات الاقتصادية إلى أن الوظائف في مجالات (STEM) تنمو بمعدل أسرع وتوفر رواتب أعلى، مما يخلق مسارات حقيقية للحراك الاجتماعي والاقتصادي لشبابنا.
ولا بد هنا من الإشارة إلى أن “علماء الغد” تستند إلى نموذج أثبت نجاحه عالميًا، حيث انطلقت الفكرة من أيرلندا قبل أكثر من ستين عامًا. ومن رحم تلك المبادرة، خرجت قصص نجاح ملهمة غيّرت وجه العالم، ولعل أبرزها قصة شركة “Stripe” التي أسسها باتريك كوليسون، أحد الفائزين السابقين في المعرض الايرلندي. وقد تجسد هذا الرابط مؤخرًا في مشاركة وفد المبادرة في معرض دبلن 2026، حيث حظي الوفد بلقاء كوليسون نفسه، بالإضافة إلى كبار المسؤولين الايرلنديين، مما يؤكد الأهمية الدولية التي اكتسبتها هذه المبادرة المتميزة. هذه القصة هي دليل حي على أن الفضول العلمي الذي نزرعه في شبابنا اليوم يمكن أن يثمر شركات تكنولوجية عملاقة في الغد.
إن نجاح “علماء الغد” يتجلى أيضًا في الأرقام المتصاعدة للمشاركة، حيث وصل عدد المدارس المشاركة إلى أكثر من 200 مدرسة، وعدد المشاريع إلى أكثر من 215 مشروعًا، بمشاركة أكثر من 660 طالبًا وطالبة من جميع محافظات المملكة. والأهم من ذلك، أن أكثر من 65% من المشاركين هم من الإناث، وهو ما يعكس نجاح المبادرة في كسر الحواجز وتشجيع الفتيات على خوض غمار العلوم والتكنولوجيا. كما أن المشاركة الدولية الناجحة لطلابنا في معرض دبلن، والتي حظيت بتغطية إعلامية واسعة، هي شهادة على جودة المشاريع الأردنية وقدرتها على المنافسة عالميًا.
ختامًا، لا يمكن لهذا النجاح أن يتحقق دون شركاء حقيقيين يؤمنون بالرؤية. وأتقدم بجزيل الشكر والتقدير لسفارة أيرلندا في الأردن على دعمها المستمر وإيمانها العميق بقدرات شبابنا، وكذلك شكري لجميع الجهات الداعمة والراعية من القطاعات الخاصة والعامة والأكاديمية والإعلامية والمجتمع المدني. إن الاستثمار في مبادرة “علماء الغد” هو استثمار في مستقبل الأردن، ونحن ملتزمون بمواصلة هذا الطريق، واثقين بأننا نبني جيلًا من المبتكرين والقادة الذين سيحملون شعلة التقدم والتطور لوطننا الغالي.
*الرئيس التنفيذي لجمعية شركات تقنية المعلومات والاتصالات -إنتاج