*نور خريس 

بصفتي المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة ميس الورد (Maysalward)، كرّست أكثر من عشرين عامًا من حياتي لمتابعة شغفي الأكبر: التكنولوجيا والتعلّم.

على مدار 22 عامًا، عملت على تصميم ألعاب وأنظمة تفاعلية تهدف إلى إشراك المستخدمين وتحفيزهم بعمق. وخلال الأربعة عشر عامًا الماضية على وجه الخصوص ، ركّزت جهدي بشكل أكبر على قطاع التعليم، لاعمل عن قرب مع المعلّمين والطلبة في الأردن والسعودية، ولا سيما في السنوات الأخيرة من خلال مبادرات مثل ” Minecraft Education” .

هذه الرحلة المهنية منحتني رؤية واضحة حول التحوّل المتسارع في دور المعلّم داخل المنظومة التعليمية الحديثة. ولهذا السبب وجدت أن الورقة البحثية المعنونة “Teacherpreneurs As Change Agents: The Rise of Teacherpreneurship in 21st Century Education” للباحث Mirjalol Mirsobitov Gayrat og‘li مؤثرة للغاية. فقد عبّرت بدقة عمّا لمسته بنفسي في الصفوف الدراسية وبرامج التدريب: المعلّمون ليسوا مجرد منفذين لمنهاج محدد، بل يمتلكون القدرة على إحداث تحوّل حقيقي في التعليم.

يطرح مفهوم ريادة المعلّم، كما ورد في الورقة رؤية للمعلّم بوصفه مهنيًا هجينًا، يجمع بين مهارات التعليم وروح المبادرة. هذا المفهوم لا يهدف إلى تحويل التعليم إلى نشاط تجاري، بل إلى تمكين المعلّمين ليكونوا قادة مبدعين داخل النظام التعليمي. ويتتبع الكاتب جذور المصطلح منذ بدايات الألفية في الولايات المتحدة، ويعرض كيف بات المعلّمون الرياديون اليوم يقودون تغييرات مؤثرة حول العالم عبر مبادرات محلية يقودها المجتمع. وهذا ينسجم تمامًا مع ما شهدته في الأردن والسعودية، حيث غالبًا ما تنطلق المبادرات التعليمية الأكثر تأثيرًا من معلّمين متحمسين، لا من سياسات مركزية مفروضة من الأعلى.

من خلال عملي مع المعلّمين باستخدام Minecraft Education، رأيت بأم عيني قوة هذا النهج. فالثقة وإتاحة مساحة التجريب تحوّل المعلّم من ناقل للمحتوى إلى مصمم لتجارب تعلّم حقيقية. لقد عملت مع معلّمين، وما إن امتلكوا الأدوات والحرية، حتى ابتكروا محاكاة تعليمية ومشاريع تتمحور حول الطالب، وتجاوزت بكثير حدود الصف التقليدي. وهذا ينسجم مع ما تؤكده الورقة من أن ريادة المعلّم تزدهر في البيئات التي تشجّع الاستقلالية، والعمل التعاوني، والابتكار.

ومن أبرز النقاط التي توقفت عندها في الورقة ما عرضته من نتائج بحثية حديثة. فقد أظهرت دراسة عام 2024 أن 76٪ من المعلّمين يرغبون في إطلاق مشاريع تعليمية خاصة بهم، بينما لا يحظى سوى 29٪ منهم بالدعم اللازم لتحقيق ذلك. هذه الفجوة بين طموح المعلّمين وجاهزية الأنظمة التعليمية أمر لمسته مرارًا في عملي؛ فالكثير من المعلّمين يمتلكون أفكارًا متميزة، لكنهم يفتقرون إلى الدعم المؤسسي أو التمويل أو حتى التقدير.

وتؤكد الأمثلة العالمية الواردة في الورقة ان هذه القضية ليست محلية، بل حركة عالمية. من تطبيقات تعليمية متعددة اللغات في السويد، إلى مبادرات تقنية تعليمية في كوريا الجنوبية، وصولًا إلى مشاريع يقودها معلّمون في أوزبكستان، تتكرر الرسالة ذاتها: ريادة المعلّم ظاهرة عالمية. وفي الأردن والسعودية، أرى الإمكانات نفسها. فالمعلّمون يستخدمون بشكل متزايد أدوات رقمية وأساليب تدريس مبتكرة، لكنهم ما زالوا يعملون ضمن أنظمة تفضّل الالتزام الحرفي على الإبداع.

وبحكم موقعي عند تقاطع تصميم الألعاب والتعليم، أؤمن بصدق أن الدول النامية يمكن أن تكون الأكثر استفادة من تبنّي مفهوم ريادة المعلّم. فهذه الدول تواجه تحديات حقيقية مثل شح الموارد والبيروقراطية الصارمة. وتمكين المعلّمين من الابتكار والقيادة يتيح إيجاد حلول محلية أكثر استدامة وملاءمة من الإصلاحات المستوردة. وتزداد أهمية ذلك في وقت يحتاج فيه التعليم إلى التكيّف السريع مع التغيّرات التكنولوجية والاقتصادية والاجتماعية.

إن التوصيات السياسية التي تطرحها الورقة ليست نظرية، بل عملية وملحّة. فنحن بحاجة إلى دمج ريادة المعلّم في برامج التطوير المهني، وابتكار أدوار هجينة تجمع بين التدريس والقيادة، وتوفير التمويل لمختبرات الابتكار، إضافة إلى إنشاء أنظمة رسمية للاعتراف بجهود المعلّمين المبدعين. وقد أثبت عملي أن إتاحة المجال أمام المعلّمين للابتكار تضاعف أثر حتى الاستثمارات الصغيرة في بناء قدراتهم.

لقد عزز هذا التأمل الشخصي قناعتي بأن مستقبل التعليم، خصوصًا في الدول النامية، يعتمد على النظر إلى المعلّمين لا بوصفهم متلقين سلبيين للسياسات، بل شركاء فاعلين في صناعة مستقبل التعليم.

إن ريادة المعلّم ليست موضة عابرة، بل مسار استراتيجي لبناء أنظمة تعليمية أكثر عدالة وفاعلية.
ومن خلال ميس الورد، نواصل الربط بين تصميم الألعاب والتعليم، تأكيدًا على التزامنا بدعم المعلّمين كمبتكرين وقادة. فإبداعهم والتزامهم يشكّلان الأساس لأي تغيير تعليمي حقيقي ومستدام. 

*الرئيس التنفيذي لشركة “ميس الورد” المتخصصة في صناعة الالعاب الرقمية