بمناسبة استقلال الأردن الثمانين، يقف الأردنيون اليوم أمام مسيرة وطنية طويلة استطاعت خلالها الدولة الأردنية بناء نموذج اقتصادي متوازن، اعتمد على الإنسان الأردني، والاستثمار في التعليم والكفاءات، وتحسين بيئة الأعمال، وتطوير القطاعات ذات القيمة المضافة العالية، وكان قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات أحد أبرز النماذج الاقتصادية التي جسدت هذا التحول خلال العقود الماضية.

وخلال العقد الأخير تحديدًا، دخل الاقتصاد الأردني مرحلة أكثر اعتمادًا على المعرفة والتكنولوجيا، ضمن رؤية واضحة يقودها جلالة الملك عبدالله الثاني لبناء اقتصاد حديث قائم على الابتكار والتنافسية والتحول الرقمي، وتطوير الخدمات الحكومية، وتحفيز بيئة الاستثمار، وخلق فرص عمل نوعية للشباب الأردني.

هذا التحول لم يكن وليد اللحظة، وإنما جاء نتيجة مسار اقتصادي طويل أدرك مبكرًا أهمية قطاع التكنولوجيا باعتباره قطاعًا قادرًا على التصدير، وجذب الاستثمارات، وتحسين الإنتاجية، وخلق فرص العمل. ومنذ إطلاق مبادرة “REACH” مطلع الألفية، بدأت المملكة بوضع الأسس لبناء قطاع تقني منظم قادر على التحول إلى مساهم رئيسي في الاقتصاد الوطني.

وفي هذا المسار، برزت جمعية شركات تقنية المعلومات والاتصالات “إنتاج” كإحدى المؤسسات الاقتصادية الوطنية التي لعبت دورًا مباشرًا في تطوير القطاع، ليس فقط بوصفها جهة تمثيلية للشركات، وإنما باعتبارها شريكًا في تطوير السياسات الاقتصادية المرتبطة بالتكنولوجيا والابتكار والتحول الرقمي.

ومنذ تأسيسها، عملت “إنتاج” على عدة محاور اقتصادية رئيسية، أبرزها تحسين البيئة التشريعية والتنظيمية لقطاع التكنولوجيا، ودعم الشركات الأردنية في التوسع والتصدير إلى الأسواق الإقليمية والعالمية، وتعزيز حضور الأردن كمركز إقليمي للخدمات والحلول التكنولوجية. كما ساهمت الجمعية في جذب الاستثمارات إلى المملكة عبر الترويج للبيئة الرقمية الأردنية، وربط الشركات المحلية بالأسواق والمستثمرين والشراكات الدولية، إلى جانب دعم ريادة الأعمال، وتطوير بيئة الأعمال، ورفع تنافسية الاقتصاد الرقمي الأردني.

ومع التحولات الاقتصادية العالمية المتسارعة، لم تعد التكنولوجيا قطاعًا منفصلًا أو نشاطًا خدميًا محدودًا، وإنما أصبحت جزءًا أساسيًا من جميع القطاعات الاقتصادية والإنتاجية. فالصناعة اليوم تعتمد على الحلول الذكية والأتمتة، والقطاع المالي يرتكز على التكنولوجيا المالية والخدمات الرقمية، كما أصبحت التجارة والنقل والتعليم والصحة والسياحة والخدمات الحكومية تعتمد بصورة متزايدة على البنية الرقمية والتقنيات الحديثة.

هذا الترابط جعل قطاع التكنولوجيا عنصرًا محوريًا في رفع كفاءة الاقتصاد الوطني، وتحسين الإنتاجية، وتسريع تقديم الخدمات، وتعزيز تنافسية المؤسسات، الأمر الذي انعكس على قدرة الأردن على مواكبة التحولات الاقتصادية العالمية واستقطاب الاستثمارات النوعية.

وفي السنوات الأخيرة، برز الاهتمام الوطني المتزايد بالتقنيات المستقبلية، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي، باعتباره أحد المحركات الرئيسية للاقتصاد العالمي الجديد. وقد لعب سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني ولي العهد دورًا محوريًا في دعم هذا التوجه، من خلال التركيز على تمكين الشباب، وتعزيز ريادة الأعمال، ودعم الابتكار، وتحفيز بيئة التكنولوجيا الحديثة والاقتصاد الرقمي، بما يسهم في إعداد الأردن لاقتصاد المستقبل وخلق فرص عمل نوعية للشباب الأردني.

كما أن الاهتمام المتنامي بتطبيقات الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي يعكس إدراكًا وطنيًا بأن المرحلة المقبلة لن تقوم فقط على امتلاك التكنولوجيا، وإنما على القدرة على تطويرها وتوظيفها في مختلف القطاعات الاقتصادية والخدمية، بما يعزز كفاءة الأداء ويرفع تنافسية الاقتصاد الوطني إقليميًا ودوليًا.

اقتصاديًا، يمتلك قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات خصائص تختلف عن القطاعات التقليدية؛ فهو قطاع عالي القيمة المضافة، منخفض الاعتماد على الموارد الطبيعية، مرتفع القدرة على التصدير، ويعتمد بصورة رئيسية على الكفاءات البشرية، وهي معادلة منحت الأردن فرصة استراتيجية لبناء نموذج اقتصادي أكثر قدرة على التوسع الإقليمي والمنافسة العالمية.

وخلال السنوات الماضية، واصلت “إنتاج” العمل على توسيع حضور الشركات الأردنية في الأسواق العالمية، وتنظيم بعثات اقتصادية وتجارية دولية، والمساهمة في بناء الهوية الرقمية المؤسسية للأردن، ودعم مشاريع التحول الرقمي، إلى جانب تطوير المهارات الرقمية للخريجين والشباب الأردني بالشراكة مع المؤسسات الرسمية والقطاع الخاص.

كما لعبت الجمعية دورًا مهمًا في دعم بيئة الشركات الناشئة وريادة الأعمال، والعمل على تطوير البيئة القانونية والتنظيمية المحفزة للاستثمار، وهي عوامل أصبحت اليوم جزءًا أساسيًا من تنافسية الدول في جذب رؤوس الأموال المرتبطة بالاقتصاد الرقمي.

وأظهرت جائحة كورونا أيضًا الأهمية الاقتصادية الاستراتيجية لقطاع التكنولوجيا، بعدما تمكن الأردن من الاعتماد على شركاته المحلية في ضمان استمرارية الأعمال والخدمات الرقمية، ما عزز مفهوم الأمن الاقتصادي الرقمي، وأكد أن الاستثمار في التكنولوجيا أصبح جزءًا أساسيًا من منظومة الاستقرار الاقتصادي الوطني.

ورؤية التحديث الاقتصادي التي تنفذها المملكة اليوم تمنح قطاع التكنولوجيا مساحة أكبر داخل معادلة النمو، باعتباره قطاعًا قادرًا على دعم الصادرات، وتحفيز الاستثمار، وخلق وظائف نوعية، وتعزيز كفاءة القطاعات الأخرى، ومنها الصناعة والخدمات المالية والطاقة والنقل والتعليم والرعاية الصحية.

ثمانون عامًا من الاستقلال تؤكد أن الأردن لم يبنِ فقط قدرة استثنائية على التكيف مع التحديات، وإنما نجح أيضًا في بناء قطاعات مستقبلية قادرة على دعم النمو طويل الأجل. وفي قطاع التكنولوجيا تحديدًا، تشكلت منظومة اقتصادية متكاملة جمعت بين الرؤية الملكية والسياسات الحكومية والدور المؤسسي لجمعية “إنتاج” والشراكة الحقيقية مع القطاع الخاص، لتنتج قطاعًا أصبح اليوم أحد أهم محركات الاقتصاد الوطني، وأحد الأدوات الرئيسية في بناء مئوية الأردن الثانية على أسس اقتصادية أكثر تنافسية واستدامة وقدرة على النمو.

فادي قطيشات

*رئيس هيئة المديرين في جمعية انتاج